الشيخ محمد رشيد رضا

165

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان بنتا تدعى ( جان دارك ) من أجمل النساء سيرة وأسلمهن نية اعتقدت وهي في بيت أهلها بعيدة عن التكاليف السياسية انها مرسلة من عند اللّه لانقاذ وطنها ودفع العدو عنه ، وصارت تسمع صوت الوحي فأخلصت في الدعوة للقتال ، وتوصلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير وغلبت به العدو فعلا ، ثم ماتت غب نصرتها موتة الابطال من الرجال ، إذ خذلها قومها ، ووقعت في يد عدوها فألقوها في النارحية ، فذهبت تاركة في صحائف التاريخ اسما يعبق نشره وتضوع رياه . وهي الآن موضع إجلال القوم وإعظامهم ، فلقد تيسرت لهم النهضة بعدها وجروا في العلم والرقي بعيدا . فهل نجزم لذلك ان تلك البنت نبية مرسلة ؟ ؟ ربما تذهبون إلى أن عملها لا يذكر مقارنا بما اتت به الرسل وما وصل للناس من الخير بسببهم ، فأقول هل هناك من ميزان نزن به الاعمال النافعة لنعلم إن كانت وصلت إلى الدرجة التي يجب معها ان نصدق دعوة صاحبها ؟ وهل لو ساعدت الصدف ( كذا ) رجلا على أن يكون أكبر الناس فعلا وأبقاهم أثرا واعتقد برسالة نفسه لوهم قام ( عنده ) يفضي بنا ذلك إلى التيقن من رسالته ؟ أظن أن هذا كله مضافا لغيره يدعو إلى الترجيح ولا يستلزم اليقين ابدا على انني أنتظر ان تجدوا في قولي هذا خطأ تقنعوني به أو تزيدوني ايضاحا ينكشف به الحجاب وتنالون به الثواب هذا واني اعلم من فئة مسلمة ما أعلمه من نفسي ولكنهم يتحفظون في الكتمان ، ويسألون الكتب خشية سؤال الانسان ، ولكنني لا أجد في السؤال عارا ، وكل عقل يخطئ ويصيب ، ويزل ويستقيم ( أحد قرائكم ) ( جواب المنار ) لقد سرنا من السائل انه على تمكن الشبهة من نفسه لم يذعن لها تمام الاذعان ، فيسترسل في تعدي حدود الدين إلى فضاء الأهواء والشهوات التي تفسد الأرواح والأجسام ، بل أطاع شعور الدين الفطري ، ولجأ إلى البحث في الكتب ، ثم السؤال ممن يظن فيهم العلم بما يكشف الشبهة ، ويقيم الحجة ، وان كثيرا من الناس لينصرفون عن طلب الحق عند أول قذعة من الشبه تلوح في فضاء أذهانهم ، لأنهم شبوا على حب التمتع والانغماس في اللذة ، ويرون الدين صادا لهم عن